تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٦ - الفائدة الثالثة
لجميع الفضائل الخلقية، كما ان الحسن الظاهري فضيلة جسمانية متضمّنة لكمال سائر الفضائل الخلقية، و تناسب جميع الهيئات البدنية، و التخاليط و التشكيلات الجسمانية، و يعبر عنها بالميزان لاشتراكها معه فيما يعرف به مقدار الشيء، إذ يعبر (يعرف- ن) بها فقد الأخلاق- التي بها زينة جوهر الذات الإنسية عن زيفها و استقامة الأعمال عن ميلها و حيفها، و خلاصها عن غشّها.
و الموازين لا يجب أن يتساوى الجميع في الذات و الماهية، بل في كونها ميزانا، و إنها مما يعرف به حال الشيء كمية أو كيفية، فإن الأسطرلاب ميزان و المسطرة ميزان، و العروض ميزان، و النحو ميزان، و المنطق ميزان، لاشتراك جميعها فيما به يسمى الميزان ميزانا، و إن اختلفت في الماهية، لكن هذا الميزان الذي كلامنا فيه هو بعينه ما سيعود يوم القيامة بصورته المناسبة للنشأة الآخرة، فيعرف به كل واحد من الناس مقدار عمله بمعيار صادق، ثم يحاسبون على أقوالهم و أفعالهم و ضمائرهم و نيّاتهم مما أبدوه أو أخفوه، ثم يساقون إلى الصراط- و هو جسر ممدود بين منازل الأشقياء و السعداء أحد من السيف و أدقّ من الشعر، يخفّ عليه من استوى في الدنيا على الصراط المستقيم الذي هو صورة العدالة و مثاله في الآخرة.
و قد أشرنا إلى أن فضيلة العدالة ليست فضيلة حقيقية للإنسان و خيرا حقيقيا بل هي طريق مستقيم يؤدي إلى الكمال و الخير الحقيقيين، فلا بد من جوازها حتى تصل النفس إلى كعبة المقصود، و يتنعّم بالنعيم و مجاورة المعبود.
فهذا ما أردنا من بيان معنى الميزان الذي يقوم به الناس بالقسط.
الفائدة الثالثة
الإشارة إلى ترتيب سلسلة الموجودات و تقدم بعضها على بعض و تأخر بعضها عن بعض بحسب الشرف و الكمال و الحاجة و الافتقار في النزول منه و الصعود إليه:
و بيان ذلك بأن أوائل الموجودات الصادرة عنه تعالى التي صدرت بمحض